من المعروف أن قصة الحكم في أي بلد من بلدان عالمنا الثالث، هي قصة صراع وخلاف أكثر منها قصة وئام وسلام واطمئنان، وتمثل مرحلة كل حاكم فصلاً رئيسياً في حكاوي وأحداث القصة، يبدأ هذا الفصل من لحظة جلوس هذا الحاكم على الكرسي، وينتهي في لحظة مغادرته لها، ليبدأ فصل آخر، وهكذا.. ومع مرور واحد وثلاثين عاماً منذ تولي الرئيس علي عبدالله صالح السلطة في اليمن، يمكن التأكيد بأن هذه المرحلة بكل متغيراتها مثلت في ذاتها صراعاً حاداً على الحكم، ولكن بمعطيات وأساليب مختلفة تبعاً لطبيعة المتغيرات التي حدثت خلال هذه الفترة، على المستوى الوطني والإقليمي والدولي وتفاعلاتها المتداخلة وتأثيراتها المتبادلة.. وبالتالي فقد انصب الجزء الأكبر من جهود الرجل في تثبيت هذا الحكم وتوطيد أركانه، وذلك في إطار استراتيجية شاملة، بدأت بالسيطرة المحكمة على المفاصل الأساسية والرئيسية في قطاعات القوات المسلحة وأجهزة الأمن، وتوسعت بعد ذلك لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والإدارية مع التركيز على مصادر وميادين الثروة وأدواتها.. وفي هذا السياق تم بناء ما يمكن تسميته قواعد وأحزمة الأمان، والتي تشكلت من خلال دوائر بدأت بأبعاد مناطقية وقبلية واسعة ( حاشد، بكيل)، ثم ضاقت الدائرة داخل أسوار منطقة سنحان، وفي مرحلة لاحقة انكمشت لتستقر على ربوع قرية بيت الأحمر.. وإذا كانت طبيعة الصراعات التي رافقت عملية الانتقال من دائرة إلى دائرة، ومن مرحلة إلى مرحلة، قد ارتبطت بطبيعة التطورات العامة على مستوى البلاد، وكان لها استحقاقاتها وأثمانها، فإن هذه الصراعات قد حولت الوطن إلى إقطاعيات خاصة ومناطق نفوذ محتكرة من قبل فئات محدودة، أصبحت تنظر إلى مختلف الإمكانيات الوطنية وكأنها غنائم وهبات، مقابل ما تقدمه للنظام الحاكم من خدمات.. والمتتبع لمسار الصراع الغير معلن تجاه موضوع الحكم، سيجد أنه منذ انتهاء حرب صيف 1994م، بدأ التفكير جدياً في عملية حصر المفاصل الأساسية، العسكرية والأمنية، داخل دائرة البيت الحاكم ممثلة بأحفاد المرحوم عبدالله صالح الأحمر، وذلك باتجاه الوصول لاحقاً إلى مرحلة التوريث.. ومن المواقف الطريفة التي تناقلها الشارع السياسي بهذا الشأن وتحمل دلالة ومغازى عميقة مثلاً، هو اللقاء الذي جمع بين العقيد أحمد علي عبدالله صالح قائد الحرس الجمهوري والعميد محمد اسماعيل قائد اللواء الثامن صاعقة، حيث قيل حينها بأن العقيد أحمد علي عبدالله صالح طلب من المرحوم محمد اسماعيل إخلاء معسكر اللواء الثامن صاعقة، ليكون مقراً لقوات الحرس الجمهوري، فانتفض العميد محمد اسماعيل وقال :( ياولدي نحن متفقون على حكم الرئيس علي عبدالله صالح وملتزمون بدعمه وحمايته بأرواحنا ودمائنا، ولكننا لم نتفق على مرحلة ما بعده ومن يرثه...).. وبغض النظر عن مدى صحة هذه الحكاية، فمنذ أواخر التسعينات أثبتت الإجراءات والترتيبات التي تمت على مستوى مؤسسات القوات المسلحة وأجهزة الأمن بأن مشروع التوريث يسير بخُطى حثيثة.. حيث يرى بعض المراقبين أن صراعات الجيل الأول أصبحت شبه محسومة في إطار خطة سحب البساط وتفكيك مفاصل ومراكز القوى التي كانت تمثل تهديداً مباشراً ومصدر قلق دائم للرئيس وخاصته، حيث يبدو أن أغلب رموز ذلك الجيل قد دخلوا في تسويات ما، ولم يعد أمامهم سوى قبول الأمر الواقع والتعامل معه، حتى وإن بقيت مشاعر السخط وعدم الرضى تبرز بين حين وآخر، فإن ذلك لن يكون سوى لمزيد من المكاسب والأثمان التي اعتادوا الحصول عليها. ومع أن هناك من يرى أن صراعات الجيل الأول لن تنتهي بسهولة وسيبقى لها انعكاساتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، بحكم نوعية التجاوزات التي حدثت، وطبيعة التسويات التي تمت.. فإن صراعات الجيل الثاني، والذي يمثل مرحلة ما قبل حسم مشروع التوريث، ستكون تفاعلاتها أكثر حدة، بالنظر إلى أنها قد تستجر صراعات الجيل الأول في سياق تأجيج المشاعر وتوظيفها، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن انكماش الدائرة وتضييقها داخل حدود البيت الحاكم بقدر ما يعكس صورة من الانسجام في لحظة زمنية معينة، إلا أنه يُولِّد بعد ذلك حالة من الحساسية المفرطة، خاصة حين تتوسع ميادين المكاسب المادية والمعنوية، وتأخذ عمليات الحضور العام دورها في إبراز المقارنات، وتبدأ بعض الأطراف في الحديث عن أن أطرافاً معينة استحوذت على الجزء الأكبر من الكعكة، الأمر الذي سيمكنها من قلب المعادلة، وفي المقابل قد ترى أطراف أخرى أنها صاحبة الفضل في كل ما تحقق في ميدان حماية الحكم والحفاظ على مكتسباته، وبالتالي هي المؤهلة - من وجهة نظرها - في الاستمرار ومواصلة المشوار.. وهكذا.. ومع أن كثير من الصراعات التي تحدث بين رموز الحكم وأقطابه في اليمن، غالباً ما تظل تعتمل داخل حلقات ضيقة، وتكون دواوين المقايل والأحاديث الجانبية هي مواقع التعبير عنها، وكشف بعض جوانب أسرارها، فقد ظهر مؤخراً أن صراعات البيت الحاكم أخذت طريقها إلى وسائل الإعلام.. حيث نشرت صحيفة الوسط مقابلة مع العميد / يحي محمد عبدالله صالح، رئيس أركان قوات الأمن المركزي (1 يوليو 2009م)، وفي هذه المقابلة تحدث الرجل بصراحة عن كثير من القضايا التي تتعلق به شخصياً، وحاول أن يتبرأ من قضايا الفساد التي أصبحت سمة بارزة من سمات نظام الحكم في اليمن، ووجه نقداً حاداً للأسلوب الذي تُدار به معظم القضايا الوطنية، وبالذات موضوع (القضية الجنوبية، وحرب صعدة).. وإذا كان الرئيس علي عبدالله صالح قد قال بأن هناك انفصاليون في صنعاء (11 يوليو) ووصفهم بأنهم (يأكلون من طرف المائدة ويَشُخُّون في الطرف الآخر..) فإن كثير من المتابعين قد نظروا إلى هذا الكلام باعتباره رداً على الانتقادات الحادة التي أطلقها العميد / يحي، وهو ما يؤكد وجود صراع داخل أروقة البيت الحاكم، فهذا الوصف الذي أورده الرئيس يعكس تضارب مصالح، في إطار التأكيد أن هناك من يتنكر لمثل هذه المصالح التي حصل أو يحصل عليها.. ولاشك أن بروز مثل هذه الخلافات وظهورها على مستوى وسائل الإعلام، يشير إلى أن مرحلة جديدة من الصراع بدأت تتشكل، ومثل هذه المرحلة لابد أن يكون فيها أقطاب داخلين وأقطاب خارجين، وتغيير في مواقع وقواعد اللعبة.. |